"من يُخرج عن المُطلقات زكاة الفِطر؟"

طرحت إحدى ناشطات مواقع التواصل الاجتماعي هذا السؤال في منشور متداول، وهو (السؤال) وإن كان يظهر بادي الرأي "متجاوزا" لدى البعض، "مستساغا" لدى آخرين، "واجب" الطرح ومعالجة البواعث والخلفيات لدى غيرهما؛ في حقيقته سؤال فرعي من إشكاليةِ حِقبة الزمن حقوقيا بالنسبة للمنطقة العربية والإسلامية، بما فيها موريتانيا.

 

ويمكن القول إن العالم الإسلامي اليوم تجتاحه موجة وعي بحقوق المرأة متأخرة عن سياقها التاريخي الحَداثي، تصله في ثوب راديكالي مشحون اقتصاديا وأمنيا وثقافيا، يرى الآخرَ بوضوح الصورة وميوعة التسرع في الفهم وعدم اليقظة في الاقتباس.

 

وحيث إن مُعطيات الواقع تمد العقل الباحث عن حلول توائم استشكالاته حول مظاهر معينة، أو تقدم حلولا لمشكل بعينه، مما يجعل واقع المرأة في المجتمع الموريتاني يثير إشكالات عميقة، مدارها النص والتطبيق، والمرجع وجهة التنفيذ.

 

بمعنى أنه من الوارد التساؤل: هل حاجة موريتانيا في مجال الحقوق اليوم تتمثل في إيجاد النصوص أم في تطبيق الموجود منها؟ وقبل ذلك هل الموريتانيون مجمعون على مرجع محدد في معاملاتهم راضون بالتحاكم إليه حتى يكون مرجعا في اقتباس أو تقنين تلك النصوص؟ ثم ما الجهة التي تُعتبر في المنتظم المستساغ مخولة للتعبير عن وجهة نظر المجتمع وتحديد رغباته ثم ترجمتها إلى واقع ماثل؟

 

ولعل هذه التساؤلات لا تطرح في حقل الدفاع عن حقوق المرأة في موريتانيا وحدها وحسب؛ بل هي مطروحة في جل دول العالم العربي اليوم، وإن بمستويات مختلفة، مما يعكس اضطرابا مرجعيا واختلافا وخلافا أحيانا يكون حادا حول أساس حق المرأة في النفقة وغايته ومداه.

 

فعلى سبيل المثال؛ حين تطالب الحركات النسوية في المملكة المغربية بتقنين قِسمة ميراثٍ تجعل الزوجة ترث النصف أو الثلث بدل الربع أو الثمن، وحق تملك منزل السكنى تلقائيا بعد الطلاق أو موت الزوج، ثم تكون نظيرتها في المملكة السعودية تطالب بحق الحرية في التنقل دون محرم، مثلا؛ فإن سقفي المطالب متباينان تماما، مع أن المجتمعين - في الغالب - عربيان مسلمان، ويفترض أن لهما ثقافة مشتركة تحترم المرأة، وأن المرجع المعتمد في قوانينهما هو ذاته، الشرع الإسلامي.

 

وموريتانيا في واقع حراكها الحقوقي اليوم؛ تُعد في منطقة وُسطى بين خطابَي الحراك الحقوقي في المملكتين، لذلك فهي معنية كغيرها في هذا المجال بالتوقف مع واقع يعيشه المجتمع وإيجاد حلول مترقّبة.

 

وبطبيعة الحال فإن عدم إيجاد حلول لواقع مُعاش - كذلك الذي يتعلق بالمطلّقة في المجتمع الموريتاني - وفق الأطر المتاحة شرعا وقانونا والمتعارف عليها؛ حتما يؤدي إلى حدوث ثورات فكرية، تُبرر الغايات الإصلاحية عندها الوسائل المؤطرة إيديولوجيا، والتي قد توصف "بالشاذة"، ولا يُستغرب في هذا السياق أن تكون أولى خطواتها معاداة النموذج القائم (النموذج الفقهي المسطر غير المُطبق) ليستساغ تقديم منهج بديل.

 

كما ويهيئ المناخ أمام الحِراك النسوي في موريتانيا بشقَّيه؛ الإسلامي الأصولي، واليساري المتغرب، وجود نصوص قائمة صريحة قطعية الدلالة والورود، أو هي من مُتغير قواعد الشرع المقننة والحائزة على صبغة التشريع، ومع ذلك فهي معطلة التنفيذ ومن الصعوبة بمكانٍ الوصولُ لجهات تنفيذها، وتتعدَّد صوارف النساء عن التوجه نحوها؛ اجتماعيا وقانونيا، كما ويندر أن يلاحظ بروز لنتائجها المتوخاة.

 

فعلى سبيل المثال وبالعودة للسؤال المعنون به؛ فإن الشريعة الإسلامية صريحة فيما يتعلق بنفقة المرأة؛ قبل الزواج، وأثناءه، وبعد الطلاق حال انعدام قدرتها المادية، وهذا هو ما ذهبت إليه مدونة الأحوال الشخصية الموريتانية حيث خصصت كتابا كاملا للنفقة من المادة: 140 إلى 161، بالإضافة لمواد متفرقة من المدونة.

 

لكن هذه القواعد - في غالب حال الناس - تظل حبيسة جدران بيوت النسوة المعنيات بها، إذا لم تحملْ مروءة أو خوفٌ من الله صاحبَ حقٍ على أدائه طوعا.

 

لذلك لا يستغرب في سياق واقعنا اليوم أن يطرح سؤال النفقة بقوة خصوصا ما تعلق منها بالبنات قبل الزواج وبعد الطلاق، وفي السياق تنبثق عنه أسئلة فرعية لا حصر لها، تتعلق بنفقة الأبناء بعد تطليق والدتهم، وحقوق المطلقة الرجعية، والبكر المُجْبَرة المُؤوَّل رفضها نطقاً؛ على أنه صُمات يعني الموافقة.. وهلم جرا.

 

موسى أعمر - إعلامي، وباحث في مجال حقوق الإنسان

 

9 April 2024