من الملاعب إلى الأزقة.. صناع المحتوى ينقلون وجه المغرب الحضاري
لم يقتصر الاهتمام ببطولة أمم إفريقيا لكرة القدم 2025، التي يستضيفها المغرب، على القنوات الرياضية ووسائل الإعلام التقليدية، بل امتد ليشمل عددا كبيرا من صناع المحتوى العرب الذين واكبوا أجواء البطولة، ونجحوا في تحقيق أرباح من خلال منصات التواصل الاجتماعي.
ولم يكتف هؤلاء بنقل مشاهد المباريات والمستديرة داخل الملاعب، بل حرصوا أيضا على إبراز الجوانب السياحية والثقافية للمملكة، من خلال توثيق تحركاتهم اليومية، وتسليط الضوء على المدن المغربية وتقاليدها، في أجواء اتسمت بالبهجة والتفاعل الواسع.
ومن بين أبرز صناع المحتوى العرب الذين واكبوا البطولة، السعودي خالد العليان، والمصري محمد الهادي، والتونسي كريم خنشوش.
وفي هذا السياق، رأى باحث مغربي أن صناع المحتوى الذين رافقوا البطولة "رسموا صورة حقيقية عن الغنى الثقافي والطبيعي الذي يزخر به المغرب، فضلا عن إبراز حالة الأمن والاستقرار التي تشهدها البلاد".
وانطلقت البطولة في 21 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وتُختتم مساء اليوم بمباراة تجمع بين البلد المستضيف المغرب ومنتخب السنغال، في واحدة من أبرز المحطات الرياضية بالقارة الإفريقية، لا سيما في ظل التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم الإفريقية وارتفاع المستوى الفني للاعبين المحترفين في كبرى الدوريات الأوروبية.
أرباح واهتمام
ونقل صناع المحتوى مشاهد من المدرجات إلى الفضاء الرقمي، وسط تفاعل لافت من المتابعين الذين أبدوا اهتماما كبيرا بتغطياتهم اليومية.
وفي تعليق على هذا الحضور، قال جمال بنحدو، الباحث المغربي في منصات التواصل الاجتماعي، إن "صناع المحتوى يقومون بأدوار مهمة في نقل أجواء كأس إفريقيا بالمغرب، وكذلك الأجواء المصاحبة لها خارج الملاعب".
وأكد بنحدو في تصريح للأناضول أن "أدوار هذه الفئة لم تعد خافية على أحد، إذ أصبحت المؤسسات الرسمية تعتمد عليهم للوصول إلى شرائح واسعة من المواطنين، سواء داخل المملكة أو خارجها، خاصة في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا".
واعتبر أن "هؤلاء المؤثرين يشتغلون لحسابهم الخاص، انطلاقا من منازلهم وحواسيبهم الشخصية، ويقومون بتسويق المنتجات وصناعة المحتوى، وبفضل مجهوداتهم ظهر ما يُعرف اليوم باقتصاد المؤثرين".
وأوضح الباحث المغربي أن "نجاح هذا الاقتصاد نابع من التفاعل بين مفهومين أساسيين هما المتاجرة والأصالة".
وفيما يخص مكاسب صناع المحتوى، قال بنحدو إن "الربح المادي يتحقق من خلال عدد المتابعين للقناة أو الصفحة، حيث يحصل المؤثر على عائدات مالية من شركات منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تسويق منتجات شركات معينة عبر المحتوى الذي يقدمه".
في المقابل، يرى الباحث أن الأصالة تكمن في كون صناع المحتوى "لا ينجحون في جذب عدد كبير من المتابعين إلا إذا كانوا قريبين منهم ومن اهتماماتهم، وهو ما لا يتحقق إلا باكتساب ثقتهم".
وأضاف: "كلما شعر المتابعون بأن ما يُقدم لهم أصيل، وليس مجرد غطاء لأهداف تجارية أو غيرها، زادت شعبية صانع المحتوى ونجاحه".
تفاعل لحظي
وحول نتائج عمل صناع المحتوى بالمغرب، قال بنحدو إنهم "ساهموا في رسم صورة واقعية عن الغنى الثقافي والطبيعي الذي تزخر به المملكة، وعن حالة الأمن والاستقرار التي تعيشها".
وأوضح أن "قوة هؤلاء المؤثرين تكمن في قدرتهم على الوصول إلى فئات أوسع من الجمهور"، مشيرا إلى "إمكانية التفاعل اللحظي بين صانع المحتوى والمتابعين عبر المنصات الرقمية، في حين تبقى قدرة وسائل الإعلام التقليدية محدودة في هذا الجانب".
ودعا الباحث المغربي المؤسسات الرسمية إلى "تشجيع هؤلاء المؤثرين ودعمهم، سواء كانوا محليين أو أجانب، وتسهيل تنقلاتهم وإجراءاتهم".
كما أشاد بـ"قدرتهم على الوصول إلى جماهير واسعة في مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى الثقة والمصداقية التي يحظون بها لدى متابعيهم".
صانع محتوى سعودي
ولم يقتصر المحتوى الذي يقدمه السعودي خالد العليان على نقل مجريات المباريات، بل عمل أيضا على توثيق العادات والتقاليد المغربية، والترويج للمدن والمعالم السياحية.
وفي هذا الإطار، روّج العليان لعدد من المدن، من بينها الرباط، كما قضى أياما برفقة شاب مغربي في أعالي جبال منطقة بولمان، وسط المشاهد البيضاء التي خلفتها الثلوج، حيث نشر مقاطع فيديو توثق الحياة اليومية في قلب جبال الأطلس.
كما يخصص العليان جوائز متعددة للفائزين في المسابقات التي ينظمها عبر صفحاته على منصات التواصل الاجتماعي، ما يخلق تفاعلا واسعا لدى متابعيه.
صانع محتوى مصري
أما صانع المحتوى المصري محمد هادي، فقد نشر مقاطع مصورة توثق عادات المغاربة، خاصة في مدينة أكادير، مثل طريقة إعداد خبز "تافرنوت" الذي يُطهى على الحصى، وصناعة "البلغة" وهي نعل تقليدي، إضافة إلى تعلم ركوب الأمواج بشاطئ تغازوت القريب من المدينة.
كما زار هادي أكبر أستوديو للتصوير السينمائي بمدينة ورزازات، جنوب شرق البلاد، والتي تُعرف باسم "هوليود إفريقيا".
واعتبر في أحد مقاطع الفيديو أن مدينة مراكش تستحق الزيارة، لما تشهده من حياة احتفالية نابضة، وتنوع في الأطباق التقليدية، مثل "الطنجية"، وهي أكلة شعبية تعتمد على اللحم.
صانع محتوى تونسي
من جهته، جال صانع المحتوى التونسي كريم خنشوش عددا من المدن المغربية، ناقلا مشاهد عن المآثر التاريخية التي تحكي عن حضارات وحقب تاريخية متعاقبة داخل المملكة.
وزار خنشوش المدينة العتيقة بفاس، حيث وثق حاراتها وأزقتها التي تنبض بالتاريخ والتراث، إضافة إلى تصوير المطاعم الشعبية التي تقدم مأكولات مغربية وأمازيغية وأندلسية.
كما نقل أجواء أطباق الشارع المغربي، مرفقة بأحاديث ودية مع الباعة، في مشاهد تعكس التقارب الثقافي بين شعوب المنطقة.
وجدد الباحث المغربي دعوته للمؤسسات إلى تشجيع هؤلاء المؤثرين ودعمهم، وتسهيل إجراءاتهم، نظرا لتمكنهم من أدوات التكنولوجيا الحديثة في التواصل، وقدرتهم على الوصول إلى فئات واسعة من المتابعين حول العالم، فضلا عن الثقة والمصداقية التي يتمتعون بها.
ويشارك في بطولة أمم إفريقيا 24 منتخبا، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البطولة القارية منذ 60 عاما، وتحديدا منذ نسخة تونس عام 1965، التي شهدت مشاركة 6 منتخبات فقط، وتُوجت خلالها غانا باللقب تحت قيادة مدربها الوطني تشارلز غيامفي.
