جدل تعيين ولد بوحبيني.. هل كان ما حدث موقفا مبدئيا برفض منصب، أم نتيجة تعقيد قانوني

أثار البيان الذي أصدره الرئيس السابق للجنة الوطنية لحقوق الإنسان، المحامي أحمد سالم ولد بوحبيني، بشأن طلبه من رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني عدم توقيع مرسوم تعيينه مستشارا بالرئاسة، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي في موريتانيا، تجاوزت حدود الواقعة الإدارية لتتحول إلى نقاش أعمق حول السلطة والطموح السياسي وطبيعة العلاقة بين النخب ومؤسسات الحكم.

 

البيان، الذي قدم فيه ولد بوحبيني روايته للأحداث مؤكدا اعتذاره عن المنصب بدافع تجنب "الحرج المؤسسي" ورغبته في تولي مهام يعتقد أنه يستطيع الإبداع فيها، فُسر بطرق متباينة داخل المشهد الإعلامي والسياسي.

 

فبينما رأى مؤيدون أن الخطوة تعكس موقفا مبدئيا نادرا في بيئة سياسية يُنظر فيها غالبا إلى الوظائف العليا باعتبارها مكاسب لا تُرفض، اعتبر آخرون أن البيان يفتقر إلى الدقة أو يمثل محاولة استباقية لإعادة صياغة رواية قرار لم يكن بيد صاحبه بالكامل.

 

روايات مضادة من داخل الفضاء القريب من السلطة

عدد من المدونين المحسوبين على الأغلبية الرئاسية قدموا سردية مختلفة، مفادها أن الرئاسة اكتشفت لاحقا وجود مانع قانوني يتعلق بتجاوز ولد بوحبيني سن التقاعد، وهو ما جعل استمرار تعيينه غير ممكن قانونيا.

 

وفي هذا السياق، نقل الصحفي سيدي أحمد ولد باب عن مصادر وصفها بالمطلعة أن مرسوم التعيين كان قد وُقع بالفعل، ما يجعل الحديث عن لقاء لاحق لطلب عدم توقيع المرسوم أمرا غير دقيق زمنيا، كما أشارت المصادر إلى أن معيار السن سبق أن طُبق على شخصيات أخرى داخل الرئاسة.

 

من جانبه، قدم الصحفي عبد الله ولد اتفاقه المختار رواية تفصيلية تشير إلى أن تعيين ولد بوحبيني جاء ضمن مرسوم رئاسي شمل عدة مستشارين، قبل أن يتم اكتشاف بلوغه سن التقاعد، ما أدى إلى استحالة استمرار التعيين قانونيا.

 

ووفق هذه الرواية، فإن اللقاء الذي جمع الرجل بالرئيس جاء بعد إبلاغه بالمشكلة القانونية، حيث عبّر عن تقديره للثقة الرئاسية واعتذر عن عدم تنبيه الجهات المعنية مسبقا إلى وضعيته القانونية.

 

الجدل لم يبقَ في حدوده الإدارية، بل اتخذ بعدا سياسيا أوسع، فقد ربطت تدوينات أخرى القضية بما وصفته ببدء "التحضير المبكر" للاستحقاقات الرئاسية المقبلة، معتبرة أن بعض الشخصيات السياسية قد تفضّل التحرر من الأدوار التنفيذية استعدادا لأدوار سياسية أكبر مستقبلا.

 

في المقابل، دافع صحفيون ومعلقون عن موقف ولد بوحبيني، معتبرين أن رفض وظيفة عمومية أمر طبيعي، وأن الإشكال يكمن في الثقافة السياسية السائدة التي تنظر إلى المناصب باعتبارها امتيازا لا يُرفض.

 

الصحفي المقيم في لندن عبد الله ولد الشيخ سيديا تساءل في هذا السياق عن سبب الاستغراب من رفض وظيفة لا يراها صاحبها مناسبة، معتبرا أن حرية الاختيار المهني ينبغي أن تكون أمرا بديهيا.

 

عودة إلى دائرة الضوء

بعيدا عن تفاصيل الروايات المتباينة، أعادت القضية أحمد سالم ولد بوحبيني إلى واجهة النقاش العام، وهو الذي ظل شخصية مثيرة للجدل السياسي منذ انتقاله قبل سنوات من صفوف أبرز معارضي الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى رئاسة اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بشكل مفاجئ.

 

ويرى مراقبون أن الجدل الحالي يعكس أكثر من مجرد خلاف حول تعيين إداري، كما يبرز التنافس الصامت داخل النخبة السياسية مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.

 

ومع استمرار تداول روايات متباينة حول خلفيات القضية، يبقى السؤال الأبرز: هل كان ما حدث موقفا مبدئيا برفض منصب رسمي، أم نتيجة تعقيد قانوني أُعيدت صياغته سياسيا وإعلاميا؟

 

20 February 2026