السجن لمعارضين بتونس.. حكم قضائي أم تصفية سياسية؟

عدد من السياسيين وقيادات المعارضة التونسية يواجهون أحكاما بالسجن تزيد عن عشر سنوات، بل تصل في بعض الحالات إلى عشرات السنين، في ما يعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة".

معارضون يرون أن الحكم على أشخاص أعمارهم تتجاوز السبعين عاما بمثل هذه الأحكام هو "حكم بالإعدام"، مشيرين إلى أن الأحكام في غالبها سياسية "تهدف إلى تصفية العمل الحزبي".

فيما يرى سياسيون آخرون أن القانون لا يفرق في أحكامه بين المسنين والشباب، وأن الأحكام الصادرة "أحكام قضائية تعود لقضايا قديمة، وليست أحكاما سياسية".

وفي 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أصدرت محكمة الاستئناف بتونس، أحكاما نهائية بالسجن راوحت بين 10 و45 عاما في حق متهمين بالقضية.

وكان من بين المحكومين بالسجن الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، والأمين العام السابق للتيار الديمقراطي غازي الشواشي، والقيادي في جبهة الخلاص الوطني جوهر بن مبارك، والقيادي في حركة النهضة نورالدين بالبحيري، وحكم على كل منهم بالسجن 20 عاما.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 أقرت المحكمة الحكم بالسجن 12 عاما على رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة أحمد نجيب الشابي (81 عاما).

وفي فبراير الماضي رفعت محكمة الاستئناف الحكم ضد رئيس حركة "النهضة" الرئيس السابق للبرلمان راشد الغنوشي (84 عاما) إلى السجن 20 سنة، بعد أن كانت محكمة ابتدائية قضت بسجنه 14 سنة.

وبذلك يصل مجموع الأحكام التي صدرت بحق الغنوشي إلى حوالي 50 عاما، منها حكم في قضية إنستالينغو (شركة انتاج إعلامي) بالسجن 22.

وتعود قضية "التآمر على أمن الدولة" إلى فبراير 2023، عندما أوقفت السلطات عددا من المعارضين والمحامين وناشطي مجتمع مدني، ووُجهت إليهم تهم "محاولة المساس بالنظام العام وتقويض أمن الدولة"، و"التخابر مع جهات أجنبية"، و"التحريض على الفوضى أو العصيان"، و"تبييض الأموال"، وهي تهم نفاها محامو المتهمين.

** أحكام بالسجن أشبه بالإعدام

ويرى القيادي في جبهة الخلاص الوطني رياض الشعيبي، أن الأحكام بالسجن سنوات كثيرة بحق المعتقلين السياسيين "أقرب إلى الحكم بالإعدام".

ويضيف بتصريحات للأناضول: "الحكم على أشخاص أعمارهم 70 و80 عاما بالسجن 20 و30 و50 سنة وحتى أكثر هو عبارة عن حكم بالإعدام."

ويتابع: "هذه الأحكام تكشف رغبة في التنكيل والتشفي وحقد كبير على المعارضة ورغبة في إقصائها بشكل نهائي وإصرار على هذا الإقصاء، لذلك نجد هذه الأحكام لا تتناسب مع وضعهم الصحي والإنساني فضلا على أنها لا تتناسب مع القضايا السياسية التي تحاكم من أجلها"، على حد تعبيره.

** محاسبة مرحلة كاملة

ويرى الشعيبي أن السلطات في تونس بصدد "محاسبة مرحلة كاملة" هي مرحلة الانتقال الديمقراطي بسلطتها ومعارضتها.

ويضيف: "يبدو أن الرئيس التونسي قيس سعيد لا يكتفي بمحاكمة من كانوا في الحكم خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي بل كذلك يحاكم من كانوا في المعارضة".

ويزيد: "لذلك نجد الأستاذ أحمد نجيب الشابي وكثير من رموز المعارضة السياسية زمن حكم الترويكا في السجن، فهي محاكمة مرحلة كاملة ومحاكمة لنموذج ديمقراطي كان في تونس بعد الثورة".

و"الترويكا" هي ائتلاف بين حركة "النهضة" وحزبي "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات"، حكم تونس من ديسمبر 2011 إلى يناير/كانون ثاني 2014.

ويشير الشعيبي إلى أن هدف السلطة هو بسط سيطرتها على البلاد و"قمع كل صوت معارض ومصادرة الحرية"، وفق قوله.

ويرى أن محاولة اتخاذ السلطة إجراءات أكثر حدة مثل منع جميع الأحزاب السياسية "ليست إلا مسألة وقت"، إلا أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة في البلاد، والتطورات الإقليمية بالمنطقة "ستجعل السلطة تفشل بتحقيق ذلك".

ويقول الشعيبي إن التحدي الحقيقي أمام السلطة الآن هو اقتصادي اجتماعي أكثر منه سياسي، لأن الوضع اليوم "رديء جدا".

ويضيف أنه عندما فرض الرئيس سعيد إجراءات استثنائية استعاض عن الحريات بمحاولة تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، مشيرا إلى أن ذلك ساعده في تنفيذ إجراءاته آنذاك.

وفي 25 يوليو/ تموز 2021 فرض سعيد إجراءات استثنائية شملت حل مجلس النواب، وإصدار تشريعات بأوامر رئاسية، وإقرار دستور جديد عبر استفتاء، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

واعتبرت قوى تونسية هذه الإجراءات "انقلابا على الدستور وترسيخا لحكم فردي مطلق"، بينما رأتها أخرى "تصحيحا لمسار ثورة 2011"، التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي (1987-2011).

أما سعيد، فيقول إن إجراءاته "تدابير في إطار الدستور لحماية الدولة من خطر داهم"، مشددا على عدم المساس بالحريات والحقوق.

** أحكام قضائية لا سياسية

أما الناطق باسم تحالف أحرار (داعم للرئيس) أحمد الهمامي، فيرى أن القضايا التي تنظر في المحاكم اليوم تعود إلى العام 2013، مشيرا إلى أن الأحكام الصادرة "أحكام قضائية وليست سياسية".

ويتابع: "الدولة توجهت نحو محاسبة من أجرموا في حق البلاد طيلة عشر سنوات بعد الثورة، وأغلب من حكم عليهم كانوا موجودين في الحكم آنذاك".

وحول المخاوف من أن الأحكام الصادرة ضد القيادات السياسية تهدف إلى منع الأحزاب، يقول: العمل الحزبي سيبقى ولكن أي حزب يخالف المرسوم 87 (ينظم عمل الأحزاب صدر في سبتمبر 2011) ستتم ملاحقته قانونيا".

وينفي الهمامي أن يكون هناك توجها من السلطة لـ"ضرب العمل الديمقراطي"، مبينا أنه لم يُحل أي حزب، كما أن البلاد تشهد مظاهرات أسبوعية تنظمها أحزاب سياسية، إضافة إلى حضورها بوسائل الإعلام.

وبخصوص الأحكام الثقيلة ضد قيادات سياسية متقدمة في السن مثل الغوشي والشابي، يقول الهمامي إن القانون التونسي مثله مثل القوانين في عديد من دول العالم لا يفرق بين متقدم في السن وغير متقدم.

ويضيف: "هناك استثناء في القانون التونسي أنه عندما يصل الإنسان إلى سن معينة وتكون لديه أحكام نهائية وظروف صحية معينة يمكن له أن يظل في المستشفى أو تحت الإقامة الجبرية".

** المصالحة بعد الاعتراف والاعتذار

وحول ما إذا كانت المصالحة الوطنية مطروحة كخيار لحزبه المقرب من الرئيس، قال الهمامي إن المصالحة لا تأتي إلا بعد الاعتراف بالخطأ والاعتذار للشعب.

ويضيف: "المصالحة تعود إلى الشعب وليس لرأس السلطة، لأن الخطأ ارتكب بحق الشعب وليس في حق رأس الدولة".

وتقول السلطات التونسية إن منظومة القضاء مستقلة ولا يتدخل أحد بعملها، وإن الموقوفين يُحاكمون بتهم جنائية، مثل "التآمر على أمن الدولة" أو "الفساد"، وتنفي وجود محتجزين لأسباب سياسية، بينما ترى المعارضة أن تلك القضايا تستخدم لتصفية الخصوم السياسيين.

 

9 March 2026