منظمة حقوقية ترسم صورة صادمة لمجازر وانتهاكات في بوركينا فاسو

كشف تقرير نشرته صحيفة "لوبوان" (Le Point) الفرنسية عن نتائج تحقيق مضنٍ استغرق عامين كاملين، أجرته منظمة هيومن رايتس ووتش، ورسمت فيه صورة صادمة لمجازر وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين في بوركينا فاسو، لا تزال مستمرة حتى اللحظة، بحسب المنظمة.
ووفق ما وثّقته المنظمة، لقي أكثر من 1800 مدني حتفهم بين يناير/كانون الثاني 2023 وأغسطس/آب 2025، في 57 حادثة موثقة موزعة على 11 منطقة من مناطق البلاد.
وتتوزع المسؤولية عن هذه الجرائم بين طرفي النزاع: القوات المسلحة البوركينية ومليشياتها المعروفة بـ"متطوعي الدفاع عن الوطن" من جهة، وتنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبط بتنظيم القاعدة من جهة أخرى. فضلا عن ذلك، اضطر عشرات الآلاف من المدنيين إلى النزوح قسرا من ديارهم.
وفي تعليقه على هذه النتائج، قال فيليب بولوبيان، المدير التنفيذي للمنظمة: "إن حجم الفظائع المرتكبة في بوركينا فاسو يبعث على الذهول، وكذلك غياب الاهتمام الدولي بهذه الأزمة".
من جانبها، رفضت الحكومة البوركينية هذا التقرير، ووصفه المتحدث باسم حكومة بوركينا فاسو، جيلبرت ويدراوغو، بأنه "تقرير كاذب". وأضاف: "الحكومة ليست متفاجئة على الإطلاق من تصرفات هذه المنظمة المزعومة، المنفصلة تماما عن الواقع على الأرض، والتي لا تملك مكتبا ولا أي تمثيل في بوركينا فاسو".
وأكد أن "الحكومة تحتفظ بحقها في اتخاذ التدابير المناسبة والحازمة ضد جميع المنظمات الإمبريالية المتخفية في زي منظمات غير حكومية والتي تخفي هدفا خبيثا يتمثل في تقويض زخم بوركينا فاسو السيادي". مشددا على مواصلة الحكومة مكافحة الإرهاب الذي تعتبره أولوية وطنية مطلقة، وأنها تنفذ ذلك وفقا للقوانين الوطنية، فضلا عن التزامات بوركينا فاسو الدولية في مجال حقوق الإنسان.

سياق متفاقم منذ سنوات
وتندرج هذه الانتهاكات في سياق تصاعد متواصل للعنف منذ عام 2016، حين اندلعت موجة عمليات الجماعات المسلحة في البلاد، في ظل تدهور عام للأوضاع الأمنية في منطقة الساحل. وتتحمل مجتمعات قبائل الفلان الوطأة الأشد قسوة من هذه الأحداث، إذ تتهمها قوات الجيش ومليشياته بدعم ما تسميه بالتمرد الجهادي، فتستهدفها في عملياتها العسكرية المضادة.
وتتجاوز الوثيقة التي نشرتها هيومن رايتس ووتش في الثاني من الشهر الحالي تحت عنوان "لن ينجو أحد: جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يرتكبها جميع الأطراف في بوركينا فاسو"، 300 صفحة، وتستند إلى شهادات أكثر من 450 شخصا جُمعت في بوركينا فاسو وبنين وكوت ديفوار وغانا ومالي، بين مارس/آذار 2023 وفبراير/شباط 2026، إلى جانب مصادر مفتوحة تشمل صور الأقمار الاصطناعية وساعات من التسجيلات المرئية والمسموعة ووثائق متنوعة، بهدف التحقق من الحوادث وتحديد المسؤوليات.

إستراتيجية ممنهجة
وخلص التقرير إلى أن ما يجري ليس مجرد أعمال انتقامية عشوائية، بل هو نتاج إستراتيجية قمع ممنهجة تتبناها أطراف النزاع، وقد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتمتد سلاسل القيادة والمسؤولية فيها لتطال أعلى مستويات الدولة البوركينية، فضلا عن قيادة الجماعة المسلحة.
وخلص رئيس هيومن رايتس ووتش في تعليقه على التقرير إلى أن "المجلس العسكري يرتكب هو نفسه انتهاكات فظيعة، ولا يتخذ أي إجراء لمحاسبة المسؤولين من أي طرف كان، بل يعمل على تكميم الأفواه وإخفاء معاناة المدنيين". وهو ما يفضي إلى مناخ من الرعب وتعتيم المعلومات، يجعل التوثيق الدقيق للأرقام الحقيقية أمرا بالغ الصعوبة.
