شمال مالي.. عقد من الصراع المفتوح وحسابات النفوذ المعقدة

مسلحون من جبهة تحرير أزواد في مدينة كيدال شمالي مالي

يعيش سكان شمال جمهورية مالي منذ أكثر من عقد من الزمان على وقع تهديدات مستمرة ونزاع مسلح تغذيه حركات انفصالية وجماعات مسلحة تنتشر في شمال وشرق البلاد.

 

وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطة الانتقالية الحاكمة في باماكو أن الأوضاع في الشمال باتت تحت السيطرة الفعلية، تظهر المعطيات الميدانية اتساعا ملحوظا في رقعة المواجهات العسكرية بين الجيش المالي وحلفائه من جهة، وبين المجموعات المسلحة من جهة أخرى.

 

وفي ضوء هذا الواقع، تبقى المنطقة ساحة مفتوحة لقتال ممتد لم تحسمه سنوات الصراع الطويلة بين الحكومة المركزية والمسلحين المرتبطين بتنظيم القاعدة والجماعات الانفصالية.

 

جبهات المواجهة

ويقول فضل عبد الرزاق في تقرير أعده للجزيرة إن دوريات عسكرية تجوب شوارع وساحات مدينة "ميناكا" شمالي البلاد، في خطوة تعكس ظاهريا إمساك السلطة الانتقالية بزمام الأمور الأمنية.

 

ووفقا لمحمد عثمان أغ عثمان، نائب رئيس المجلس الوطني المالي وأحد المؤسسين والموقعين سابقا على اتفاقية الجزائر للسلام، فإن موقف السلطة الانتقالية الحالي يحظى بدعم وتأييد سكان هذه المناطق.

 

ويوضح أغ عثمان -خلال حديثه لمراسل الجزيرة- أن التخلي عن اتفاق الجزائر جاء بالتوافق مع الحكومة بعد الإدراك الكامل بأن الاتفاق لا يقود إلى سلام حقيقي، ليحل محله "الحوار المباشر بين الماليين".

 

لكن هذا المسار لم يسلم من التجاذبات، إذ يشير نائب رئيس المجلس الوطني إلى وجود رغبة من بعض القوى العظمى لتخريب هذا الحوار، مما أسفر عما وصفها بـ"مؤامرة 25 أبريل/نيسان".

 

وفي 25 أبريل/نيسان الماضي، شهدت مالي هجمات منسقة نفذتها جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تخللتها اشتباكات عنيفة وأصوات إطلاق نار وانفجارات في عدة مناطق، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا.

 

خريطة النفوذ

على الجانب الآخر، تبرز جغرافيا الصراع بوضوح مع سيطرة المسلحين الانفصاليين وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين على مدينة كيدال الإستراتيجية، التي تبعد نحو 1500 كيلومتر عن العاصمة باماكو.

 

وتطالب جبهة تحرير أزواد بفصل ما يعادل 66% من الأراضي المالية لإقامة دولة مستقلة في المنطقة التي يقطنها الطوارق والعرب وقوميات الفلان والسونغاي وقبائل أخرى.

 

إلا أن التهديد الحقيقي والمباشر للسلطة الانتقالية يكمن في مسلحي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، حيث تتحدر غالبية عناصر الجماعة من الطوارق، قبل أن تنضم إليها لاحقا عناصر من قبائل وسط وجنوب مالي.

 

وذهبت هذه الجماعة في تصعيدها إلى حد إعلان فرض حصار على العاصمة باماكو عبر حرق المركبات وإعاقة نقل البضائع، معتمدة على مجموعات صغيرة سريعة التحرك، وهو الهجوم الذي كشف "الفيلق الروسي" عبر تسجيلات مصورة عن أدائه دورا رئيسيا مساندا للجيش المالي في إفشاله.

 

 

قراءة في جغرافيا الانقسام

وضمن القراءة التحليلية لطبيعة القوى المناوئة لباماكو، يرى عبد الملك مايغا، مدير نشر مجلة "أفريك فيدرال"، أن السلطة الانتقالية تواجه واقعيا ثلاث مجموعات رئيسية:

- المجموعة الأولى: حركات انفصالية تطالب باستقلال أراضٍ بمسمى "أزواد".

- المجموعة الثانية: جماعة مسلحة تسعى إلى إقامة دولة إسلامية وتطبيق الشريعة (مرتبطة بالقاعدة).

- المجموعة الثالثة: معارضون سياسيون يقيمون خارج البلاد ويطالبون بعودة النظام الدستوري وإقامة مرحلة انتقالية مدنية تقود إلى الانتخابات.

 

وتنتهي تفاصيل المشهد المالي إلى ملف أمني شديد التعقيد، تتداخل فيه حسابات الجغرافيا السياسية مع صراع خفي على النفوذ الإقليمي والدولي في منطقة الساحل، في حين يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، يدفعون الفاتورة الأقسى لصراع ميداني بات يمضي نحو التصعيد أكثر من أي وقت مضى.

 

20 May 2026