صراع السيادة والنفوذ.. هل تدفع التطورات الأخيرة في مالي لإعادة رسم الخريطة؟

تشهد مالي تصعيدا عسكريا وأمنيا متواصلا مع استمرار الضربات الجوية التي ينفذها الجيش المالي بدعم من مرتزقة روس ضد مواقع يقول إنها تابعة لتحالف يضم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة و"جبهة تحرير أزواد" الانفصالية.

 

يأتي هذا في الوقت الذي تتسع فيه رقعة المواجهات في شمال البلاد ووسطها، بينما يكافح المجلس العسكري الحاكم للحفاظ على قبضته على السلطة في هذا البلد الواقع غرب أفريقيا.

 

وكثفت القوات المالية خلال الأيام الأخيرة غاراتها الجوية على مناطق في كيدال وتمبكتو وغاو ومحيط موبتي، مستخدمة طائرات حربية ومروحيات عسكرية يقود بعضها طيارون روس، في محاولة لاستعادة مواقع خسرتها خلال الهجمات الواسعة التي شنها المسلحون أواخر أبريل/نيسان الماضي.

 

من جانبها، تؤكد جبهة تحرير أزواد انفتاحها على "كافة الحلول السياسية"، بما في ذلك خيار الكونفدرالية، لإنهاء الأزمة المستمرة منذ عقود في شمال البلاد.

 

استهداف مواقع عسكرية

وتأتي هذه التطورات بعد هجوم منسق نفذته جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" بالتعاون مع "جبهة تحرير أزواد" يومي 25 و26 أبريل/نيسان الماضي، واستهدف مواقع عسكرية ومنشآت إستراتيجية وقواعد للجيش المالي في عدة مناطق، بينها العاصمة باماكو ومدينة كاتي العسكرية، عبر كمائن وسيارات مفخخة وطائرات مسيرة وهجمات مباشرة.

 

وأسفرت الهجمات عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا ورئيس الاستخبارات العسكرية، إضافة إلى خسائر كبيرة في صفوف الجيش والقوات الروسية المتحالفة معه، في حين تمكن المسلحون من السيطرة على مدينة كيدال الإستراتيجية بعد انسحاب القوات الحكومية منها.

 

وردا على ذلك، أطلق الجيش المالي حملة جوية موسعة يقول إنها تستهدف "مراكز تجمع وتحركات إرهابية" في الشمال والوسط، بينما تحدثت تقارير محلية عن محدودية تأثير بعض الغارات وعدم نجاحها في استعادة معظم المناطق التي سقطت بيد المسلحين.

 

وبالتوازي مع العمليات العسكرية، فرضت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" حصارا على باماكو منذ نهاية أبريل/نيسان الماضي بإغلاق الطرق الرئيسية المؤدية إلى العاصمة، مما أدى إلى اضطراب حركة النقل والإمدادات وارتفاع الضغوط الاقتصادية والمعيشية.

 

وأفاد شهود ومسؤولون محليون بأن مسلحين أضرموا النار خلال الأيام الماضية في حافلات وشاحنات بضائع قرب باماكو، بعد إجبار الركاب والسائقين على النزول منها.

 

وفي خضم التصعيد، قال مسؤول الإعلام في "جبهة تحرير أزواد" بوبكر ولد الطالب إن الحركة منفتحة على جميع الحلول السياسية للأزمة، بما في ذلك خيار الكونفدرالية، مؤكدا أن هدفها الحالي يتمثل في "استرجاع السيطرة على الولايات الأزوادية الخمس، وهي كيدال وتودني وميناكا وغاو وتمبكتو".

 

 

المسار السياسي

وأضاف ولد الطالب -في مقابلة مع وكالة الأناضول- أن الحركة مستعدة للتفاوض على "أي حل يحمي الشعب الأزوادي"، لكنه اشترط تغيير الحكم العسكري الحالي في مالي، نافيا في الوقت نفسه وجود قوات للحركة حول العاصمة باماكو، ومؤكدا أن السلطات المالية فشلت منذ استقلال البلاد عام 1960 في تحقيق الأمن والتنمية.

 

وأضاف أن السلطة العسكرية أخذت الثروات المعدنية في البلاد، واشترت بها المسيرات، لافتا بالقول: "نحن الآن في وضع حرب، ولكن ليست لنا أي قوات حول باماكو".

 

كما نفى المسؤول الأزوادي الاتهامات الموجهة للحركة بتلقي دعم من الجزائر أو موريتانيا، معتبرا أن السلطات المالية تحاول تحميل دول الجوار مسؤولية تدهور الوضع الأمني.

 

وفي ما يتعلق بالتحالف مع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، قال ولد الطالب إن قضية أزواد "أقدم من الجماعات المتطرفة"، معتبرا أن جذور الأزمة تعود إلى التهميش والظلم وغياب التنمية والعدالة الاجتماعية والجوع.

 

ويقول محللون إن التحالف بين الجماعات الجهادية والانفصاليين الطوارق يمثل أخطر تحد يواجه المجلس العسكري بقيادة آسيمي غويتا منذ استيلائه على السلطة عقب انقلابي 2020 و2021، خاصة مع استمرار تدهور الوضع الأمني رغم الدعم الروسي المتزايد.

 

 

حساسية المرحلة

بدوره، يرى الكاتب والباحث في الشؤون الأفريقية ماريغا ماسري، في مقال له على الجزيرة نت، أن الهجمات الأخيرة في مالي تعكس حساسية المرحلة السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد، في ظل ضغوط اقتصادية وتوترات إقليمية متصاعدة واستمرار هشاشة الوضع الأمني في أجزاء واسعة من الشمال والوسط.

 

ويشير إلى أن توقيت هذه الهجمات لم يكن منفصلا عن السياق العام، بل حمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز بعدها الميداني، وهو ما يفسر -بحسب ماسري- تحرك السلطة العسكرية لإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية، بالتزامن مع تولي الرئيس الانتقالي آسيمي غويتا حقيبة الدفاع.

 

وأضاف أن الهجمات كشفت عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين جماعات مسلحة وانفصالية كانت تبدو مختلفة من حيث الخطاب والأهداف، في مؤشر على التحولات التي شهدها شمال مالي ومنطقة الساحل منذ عام 2012.

 

وقال: "إلى جانب الخسائر الميدانية، حملت الهجمات رسائل داخلية وخارجية تتعلق بقدرة الجماعات المسلحة على إرباك المشهد الأمني واستهداف مواقع حساسة مرتبطة ببنية القرار العسكري، بما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة السلطة على تأمين عمقها الإستراتيجي".

 

وأوضح أن التطورات أظهرت اتساع الفجوة بين الروايات الإعلامية والواقع الميداني، مع تضارب المعلومات بشأن حجم الخسائر والسيطرة على بعض المواقع خلال الساعات الأولى للهجمات.

 

وتمتد منطقة أزواد على مساحة تقدر بنحو 822 ألف كيلومتر مربع من إجمالي مساحة مالي البالغة نحو 1.24 مليون كيلومتر مربع، وتقع في شمال وشمال شرق البلاد، حيث تحدها الجزائر من الشمال والشمال الشرقي، وموريتانيا من الغرب، والنيجر من الشرق، فيما تتصل ببقية الأراضي المالية وبوركينا فاسو من الجنوب.

 

وتحذر الأمم المتحدة من أن التصعيد الحالي في مالي ومنطقة الساحل ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية، في ظل تزايد أعداد القتلى والنازحين واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، بينما تتواصل المواجهات بين القوات الحكومية والمسلحين في عدة مناطق من شمال ووسط البلاد.

 

21 May 2026