شركات التعدين الأجنبية: عندما يصبح المحتوى المحلي مجرد شعار

لقد  أحالت موريتانيا قطاع التعدين إلى أحد مرتكزات تنميتها الاقتصادية. ومن هنا، لا ينبغي لشركات التعدين الأجنبية التي تعمل على أراضيها أن يقتصر دورها فقط على  استغلال الموارد، بل يجب أن يتعداه أيضًا إلى تحولها إلى شركاء مخلصين في بناء اقتصاد وطني أكثر عدلاً وكفاءة وسيادة.

 

غير أن بعض الممارسات التي نشاهدها اليوم في هذا القطاع تثير تساؤلات جدية. فالتوظيف، الذي يفترض أن يستند إلى الكفاءة والخبرة والاستحقاق، يبدو أحيانًا أنه يخضع لاعتبارات تتعارض مع المهنية بما فيها القبلية والمحسوبية والمحاباة أو دوائر النفوذ. وفي بعض الحالات، يبدو أن عمليات التوظيف مصممة على مقاس محدد من خلال معايير مختارة مسبقًا انطلاقا من عوامل ذاتية، بما يعطي الانطباع بأنها موجهة نحو أفراد من الأقارب أو معروفين مسبقًا على حساب الشفافية وتكافؤ الفرص.

 

وبقدرما تبعث هذه الممارسات على القلق فإنها تحدث في الوقت الذي تُظهر فيه السلطات العامة الموريتانية إرادة واضحة لتعزيز التوظيف على أساس من الشفافية والعدل والقيمة الحقيقية للكفاءات.

 

ويضاف إلى ما سبق عدم الالتزام أو الالتزام غير الكافي بالواجبات التعاقدية، وخاصة ما يتعلق منها بالمحتوى المحلي. إذ لا يمكن حصر المحتوى المحلي في مجرد صيغة إدارية وردت في الاتفاقيات أو دفاتر الشروط بل يجب أن يتجسد عمليًا في توظيف الموريتانيين  والنهوض بالشركات الوطنية  وتدريب الكوادر المحلية  ودمج الكفاءات الوطنية تدريجيًا في مناصب المسؤولية.

 

من المهم أيضًا لفت الانتباه إلى أن بعض شركات التعدين الأجنبية تستمر بطريقة غير عادية في الاحتفاظ بعقود التعدين أو بمشاريع الاستغلال لمدة ست إلى سبع سنوات دون البدء بأي عمل فعلي للاستغلال. ويثير مثل هذا الوضع حقًا مسألة الجدية والالتزام بالوعود وتحقيق الاستفادة المثلى من الموارد الوطنية، خاصة وأن هذه العقود قد تبقى معطلة دون أي عائد اقتصادي ملموس للبلاد وذلك بانتهاك صريح للقوانين السارية في موريتانيا.

 

وفي هذا الإطار، يجب على السلطات العمومية المكلفة بمتابعة وتأطير شركات التعدين الأجنبية العاملة في موريتانيا التأكد من أن هذه الشركات تحترم بشكل صارم مصالح وحقوق الكوادر الموريتانية وخاصة أولئك الذين رافقوها منذ المراحل الأولى لإنشائها ولغاية استقرارها النهائي في البلاد.

 

وكما تم لفت عناية السيدة الوزيرة المكلفة بالعمل بمناسبة زيارتها الأخيرة للبرلمان، يجب زيادة توعية وتحفيز مفتشي العمل ومسؤولي المصالح المختصة الأخرى لضمان الرقابة الفعلية على احترام الشركات الأجنبية للتشريعات الموريتانية الخاصة بالعمل وبالالتزامات التعاقدية والواجبات المتعلقة بالتشغيل الوطني.

 

ومن هذا المنطلق، يُعد التقصير في الالتزامات المتعلقة بمرتنة الوظائف تجاوزًا خطيرًا  فهو يحرم العديد من الشباب الموريتانيين المؤهلين من فرص مشروعة ويضعف الثقة بين السكان والمستثمرين  ويعطي الانطباع بأن الثروات الوطنية تعود بالنفع أكثر على الخارج منها على المواطنين. 

 

والأخطر من ذلك كله أن هذه الممارسات تقوض سياسة نقل الكفاءات التي تدافع عنها موريتانيا إذ لا يمكن إيجاد شراكة مستدامة طالما بقي المواطنون محصورين في وظائف ثانوية دون نفاذ حقيقي إلى المسؤوليات التقنية وتلك المتعلقة بالإدارة والإشراف.

 

إن شركات التعدين الأجنبية مرحب بها طالما أنها تحترم القوانين والالتزامات التعاقدية وكرامة العمال الموريتانيين. لكن يجب أن تفهم أن الاستثمار في موريتانيا تترتب  عليه  مسؤوليات المساهمة بصدق في تطوير البلد والنهوض بالكفاءات وتثمين موارده واحترام خياراته السيادية.

 

إن قطاع التعدين يجب ألا يتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج الظلم أو إلى أرضية لتعطيل الثروات الوطنية دون جدوى بل يجب أن يكون رافعة للعدالة والكفاءة والاستثمار الحقيقي والتقدم المشترك.

 

الشيخ التيجاني

 

8 July 2026