التعاون العسكري الأمريكي التونسي.. "لم يتغير ولا يمس السيادة"
رغم التحولات السياسية التي شهدتها تونس منذ ثورة 2011 وإجراءات الرئيس قيس سعيّد في 2021، يؤكد خبراء أن التعاون العسكري مع الولايات المتحدة ظل ثابتًا، باعتباره شراكة استراتيجية تستجيب لاحتياجات أمنية وتحديات إقليمية، ولا تمس بالسيادة الوطنية.
وفي يوليو/ تموز 2021، اتخذ الرئيس سعيّد قرارات استثنائية شملت إعفاء رئيس الحكومة وحل البرلمان وتغيير الدستور.
** حليف استراتيجي
وعكست ثلاث محطات مهمة منذ بداية هذا العام أهمية الدعم اللوجستي الأمريكي لتونس عسكريًا.
وفق بيانات وزارة الدفاع التونسية، تسلمت تونس في يناير/ كانون الثاني 2026 طائرة نقل عسكرية من طراز C-130.
وفي الرابع من يونيو/ حزيران الماضي سلمت الولايات المتحدة تونس 48 سيارة "هامر"، في إطار تعزيز القدرات العملياتية لحماية الحدود البرية ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.
وفي 25 يونيو أعلنت سفارة الولايات المتحدة في تونس أنها سلمت نظامًا متطورًا للكشف عن الإشعاعات سيُستخدم في ميناء رادس، أكبر موانئ البلاد.
وقالت السفارة الأمريكية إن "تسليم الولايات المتحدة لنظام متطور وفريد من نوعه للكشف عن الإشعاعات في ميناء رادس يمثل خطوة بالغة الأهمية لحماية المصالح التجارية والاقتصادية والأمنية لكل من الولايات المتحدة وتونس".
وقبل ذلك، في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أعلن قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم" داغفين أندرسون، التزام بلاده بمواصلة دعم الجهود الرامية إلى تعزيز قدرات الجيش التونسي.
** لا مساس بالسيادة
وأوضح المدير السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (حكومي)، طارق الكحلاوي، أنه لا يمكن النظر إلى التعاون العسكري التونسي الأمريكي باعتباره مرتبطًا بالمرحلة السياسية الحالية أو بوجود الرئيس قيس سعيّد في السلطة.
وقال الكحلاوي للأناضول: "العلاقة سابقة عن ذلك منذ عشرات الأعوام"، لافتًا إلى أن هناك إطارًا استراتيجيًا للعلاقات العسكرية منذ الاستقلال، وعندما اندلعت الثورة في يناير 2011، لم تُغير العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وتونس.
وأشار إلى أن تونس تحتاج دعمًا تقنيًا وفنيًا من الشركاء، مضيفًا: "هذا الأمر يحظى بإجماع ولم يحدث أي جدل يدعو إلى قطيعة مع أمريكا، ولأسباب عملية وبراغماتية لم يحصل جدل بعد الثورة حول تغيير هذا الوضع".
واعتبر أن "المشكلة الرئيسية هي أن سياسات الولايات المتحدة المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي تخلق عبئًا وحرجًا للدولة التونسية، وهذا ليس جديدًا وقد حصل في فترات سابقة".
وأكد الكحلاوي أن "الموقف الشعبي والعام، وحتى الرسمي إلى حد كبير، لا يقبل وجهة النظر الأمريكية التي تقول بوجوب التطبيع مع إسرائيل بأي كلفة وعدم الاهتمام بحق الدولة الفلسطينية".
** التعاون مع أطراف قوية
وحول ما قد يبدو تناقضًا بين استمرار التعاون وخطاب السيادة الوطنية، قال الكحلاوي: "الحديث عن السيادة لا يتناقض مع التعاون مع أطراف قوية".
ودعا إلى التركيز على تنويع الشراكات الأمنية والعسكرية ومصادر التوريد، مؤكدًا أهمية استمرار الشراء من تركيا.
وأضاف أن تنويع مصادر الشراء والتدريب يصب في مصلحة تونس، مشددًا على أن السيادة لا تعني الانغلاق أو الامتناع عن التعاون.
** دولة استراتيجية للناتو
من جهته، قال الباحث في الجيواستراتيجيا غازي معلى، إن التعاون العسكري لم يتوقف مع الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة، حتى قبل 2011، مشيرا إلى أنه تضاعف بعد الثورة.
وأضاف أن الدعم الأمريكي كان مهمًا جدًا في مكافحة الإرهاب بين عامي 2013 و2016، مشيرًا إلى أن التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، رغم بعض المشاكل السياسية خلال إدارة الرئيس جو بايدن (2021-2025)، استمر بوتيرة منتظمة.
وأشار إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب "تدعم هذا التعاون وهو أمر عادي"، لافتًا إلى أن تونس دولة استراتيجية بالنسبة لحلف شمال الأطلسي "الناتو".
وأكد أن "تونس منذ الاستقلال كانت حليفة للغرب، الذي تقوده عسكريًا الولايات المتحدة، وهذا لم يتغير حتى الآن".
** توترات تفرض التعاون
وأضاف معلى أن التوترات الإقليمية الحالية، خاصة في ليبيا، تفرض تعزيز القدرات العسكرية التونسية بمعدات متطورة ودعم الجيش بها.
وحول استمرار مخاطر الإرهاب، قال: "المخاطر الإرهابية لم تنته، وإن ضعفت كثيرًا، لكن الصراع في مالي بين السلطة والمعارضة يمثل خطرًا على تونس بسبب تسلل مجموعات متطرفة عبر الحدود الجزائرية-المالية والتحديات الأمنية في الجنوب الليبي".
** التدريبات الخارجية
وقال أمين عام حزب المسار (المساند للرئيس قيس سعيد) محمود بن مبروك إن تسلم تونس لمعدات عسكرية يُعد أمرًا طبيعيًا، "فأغلب تدريبات المؤسسة العسكرية الخارجية تتم في الولايات المتحدة، وهذا تعاون سابق وليس أمرًا جديدًا".
وأوضح أن "في كل العهود كان هناك تعاون عسكري أمريكي تونسي، وأغلب المعدات العسكرية التونسية هبات من عدة دول، خاصة من الجانب الأمريكي".
وأضاف: "الأمر عادي وليس فيه غايات محددة، فلا يمكن القول إن لتونس غاية معينة أو لأمريكا غاية معينة".
وشدد على أن الحديث عن تجاوز السيادة الوطنية التونسية "غير موجود"، قائلا: "شعار المرحلة هو أن السيادة الوطنية خط أحمر، ولا أتصور أن الولايات المتحدة بصدد إنشاء قاعدة عسكرية لها في تونس".
** التصدي لخطر الإرهاب
وأكد بن مبروك أهمية التجهيزات الدقيقة لكشف بعض المخاطر مثل الإرهاب، وقال: "نعلم أن تونس ليست بمنأى عن الواقع، خاصة من الجانب الإفريقي أو الليبي، وما يشهده الجنوب التونسي من تدفق أفارقة أو خطر الإرهاب على الحدود الجزائرية-الليبية".
وأشار إلى أن "الولايات المتحدة دائمًا تسلم آليات عسكرية للدول الصديقة باعتبار أنها تطور تقنيات جديدة ولديها مخزون كبير من العتاد العسكري لتوزيعه على الدول الصديقة والحليفة".
وأوضح أن هذا التعاون "دليل على انسجام الرؤى والسياسات بين تونس وواشنطن، ولا وجود لأي قطيعة أو أي إشكالية، بل هناك علاقات وطيدة وتواصل مستمر بين البلدين".
