هل انتقلت حرب روسيا وأوكرانيا إلى أفريقيا؟

أعادت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التي اتهم فيها أوكرانيا بالعمل ضد حكومات أفريقية صديقة لموسكو، تسليط الضوء على تنافس يتسع بين البلدين خارج ساحة الحرب المباشرة، لتبدو القارة الأفريقية إحدى ساحات النفوذ التي يسعى فيها الطرفان إلى تعزيز حضورهما السياسي والأمني.

ففي مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره البوروندي في بوجمبورا الجمعة الماضية، عقب لقائه الرئيس إيفاريست ندايشيمييه، قال لافروف: "نشهد أمثلة صارخة على التدخل الأجنبي في الشؤون الأفريقية، لا سيما حيث تتغلب فيه الحكومة الشرعية لجمهورية الكونغو الديمقراطية، بدعم من بوروندي، على العدوان الذي تشنه عليها حركة "إم 23" بدعم من أطراف أجنبية بينها أوكرانية. نحن نعلم ذلك وحلفاؤنا يعلمونه أيضا"، وفق ما نقله موقع ميديا كونغو.

وأضاف الوزير الروسي أن الأوكرانيين يحاولون، في عدد كبير من نزاعات القارة، الانحياز إلى القوى المناوئة للحكومات الشرعية بهدف "فرض أنفسهم فاعلا سياسيا في المنطقة، والأهم خلق صعوبات للدول الصديقة لروسيا".

وجاءت التصريحات في ختام جولة أفريقية شملت أديس أبابا، حيث أجرى لافروف مشاورات مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف اختتمت ببيان مشترك حول الشراكة بين روسيا والاتحاد الأفريقي. وكانت قناة "آر تي" الروسية نقلت عنه قبل ذلك قوله إن "مرتزقة أوكرانيين يشاركون بنشاط في هجمات إرهابية" في القارة.

 

شرارة سبقتها قطيعة في الساحل

لم تكن اتهامات موسكو الأولى من نوعها، ففي يوليو/تموز 2024 نصب متمردون طوارق كمينا لرتل من الجيش المالي ومقاتلي مجموعة فاغنر الروسية قرب بلدة تينزاواتين على الحدود مع الجزائر، وقالوا إنهم قتلوا 84 من عناصر المجموعة و47 جنديا ماليا، في أثقل خسائر فاغنر منذ دخولها البلاد.

وكان المتحدث باسم الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندريه يوسوف قال بعد العملية: "حقيقة أن المتمردين حصلوا على البيانات اللازمة لتنفيذ عملية ضد مجرمي الحرب الروس أمر شاهده العالم بأسره، وبالطبع لن نكشف التفاصيل". إلا أن باماكو اعتبرت تصريحاته اعترافا بضلوع كييف في الهجوم، فأعلنت في 4 أغسطس/آب 2024 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أوكرانيا، ووصفت الأمر بأنه "عدوان سافر على مالي ودعم للإرهاب الدولي"، ولحقت بها النيجر. ونفت أوكرانيا أي ضلوع لها في القتال، ووصفت قرار باماكو بأنه "قصير النظر ومتسرع".

وتستند موسكو إلى حضور عسكري وأمني ممتد في أفريقيا، بدأ عبر مجموعة فاغنر التي نشطت منذ عام 2017 في السودان وأفريقيا الوسطى ودول الساحل، مقدمة الحماية والتدريب مقابل امتيازات في قطاع التعدين، وفق مركز كارنيغي للسلام الدولي. وبعد تمرد مالكها يفغيني بريغوجين عام 2023 نُقلت أصولها وعناصرها إلى "الفيلق الأفريقي" الخاضع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، إضافة إلى شبكة إعلامية ممولة من الدولة تنشط في القارة.

في المقابل، وسعت كييف حضورها الدبلوماسي بعد أن كانت تملك 11 بعثة فقط في القارة قبل عام 2022، فافتتحت 8 سفارات جديدة خلال 3 سنوات، وأطلقت في ديسمبر/كانون الأول 2023 إستراتيجية خاصة بأفريقيا، وروجت لمبادرة "الحبوب من أوكرانيا" التي أوصلت نحو 300 ألف طن من المساعدات الغذائية إلى 12 دولة، وزار الرئيس فولوديمير زيلينسكي جنوب أفريقيا عام 2025 في أول محطة أفريقية له.

وأشار مركز كارنيغي إلى وجه آخر لهذا الحضور، وهو إرسال الاستخبارات العسكرية الأوكرانية نحو 100 عنصر من القوات الخاصة إلى الخرطوم في أغسطس/آب 2023 لمساندة الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع المدعومة حينها من فاغنر، ونفذت ضربات بمسيّرات وعمليات ليلية في العاصمة السودانية.

وخلص تقرير كارنيغي إلى أن العمليات الأوكرانية السرية ضد الأهداف الروسية قوضت جهود كييف الدبلوماسية، وجعلتها تبدو في نظر حكومات أفريقية "قوة أجنبية أخرى تستثمر في عدم الاستقرار الأفريقي"، فيما تراجع عدد الدول الأفريقية المصوتة لصالح إدانة روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة من 25 دولة عام 2023 إلى 13 دولة عام 2025.

 

12 July 2026